السبت، فبراير 10



تاريخ مضى




هل تدركين آخر مرة كتبت فيها عنكِ
لقد مرت شهور عليها
أشعر بالجفاف تماما من كل أماكن الحروف

هل يصل الإنسان لتلك مرحلة بعد العديد من الأمور الصادمة بالنسبة له
 بغض النظر أكان الآخرين يقصدون أذيته بها أو لا ؟

الأمر مخيف ..
أن أفقد الإلهام الذي يجعلني أكتب وأكتب لشهور بل ربما الآن لسنين
شعور بغاية السوء

إنني أفكر كثيرًا ..
تنطرح الكلمات في عقلي كثيرًا
لكنني لا أقوى على خطها
لا أوامر من عقلي أبدًا بخطها
لا شيء من ذلك أحس به

أشعر أني فقدت العديد من الأمور بإقناع نفسي بأني تجاوزتها.. بينما هي لا تزال بداخلي تُدوّي عنيفًا
محدثة
خلالًا كبير في تعاملاتي..
فجوة شاسعة في تركيزي

محطمة
العديد من السعادة التي كنت أستطيع أن أصنعها بنفسي

لكن الآن لا شيء

لا شيء على الإطلاق

لدي نصيحة عميقة لك
لا تفعل ذلك بنفسك، واجه ما ترغب بما تريد
أخبرهم عن حزنك العميق تجاه تصرفه، رده،
 وخيبة الأمل التي أحدثها تجاهك
على التعود الذي سحرك به تواجده، لطفه
على التفاهم الذي لم تجده في أحد بعده
على كل الأشياء التي تركك بها وحدك .. والمعاني التي ترسبت بعمق فيك وتشتاق إليها
على الروح التي كانت بينكم
على التكامل الذي كان يحدث في أبسط المواقف
على الكلمات التي كنتما تنطقونها معًا
أخبرهم ولا تكتم
مقنعًا نفسك أنك أقوى من هذه الأشياء البسيطة

ركز جيدًا وأنت تدرك مشاعرك
 وأنت تعرف أسباب حزنك
لا تخلط الأمور ببعضها
كن عادلًا مع كل ذلك .. عادلًا مع نفسك ومعهم
كن صلبًا مع هذه التشققات
استعن بالله
لكن لا تدع الأمور تمر كما لو لم تكن
ركز جيدًا لأنك إن لم تفعل

ستمر الشهور لتدرك عميقًا كم فقدت من عقلك في محاولات نسيان الكثير هذه
سامح وأنت تدرك
تجاوز وأنت تعي

تقدم بحياتك بإرادتك
استعن بالله

لكن لا تغفل بل تغافل والفرق بينهما كبير 

لتلك الجميلة مجددًا  



هل مرت ثلاث سنوات إلا كم شهر حقًا على آخر تدوينه عنك 
أيتها الجميلة 
لا أصدق كيف مرت الأيام بهذا الشكل 
ولن أقول بتلك السرعة 
فالمرات التي أراك فيها قليلة.. قلة ظهور القمر مكتملًا في سماء صافية السحب مع نجوم جميلة 

..
لا يمكنني قول شيء غير أني آسفة أني لم أكتب عنك كل هذه المدة
لقد مررت بالكثير
ولا أخفيك.. كان حضورك القليل من الأمور التي تعيد لقلبي البهجة في وسط كل الأحداث 

أنا أحبك كثيرًا هل تعلمين هذا؟ 

حينما تكبرين ربما تقرأين هذا.. 

أرجوك صدقي أني أحبك حقًا 



الأحد، أكتوبر 9

الفتاة الجميلة

هكذا قالوا بأنه معنى اسمك .. سأخبرك أمرًا بهذه المناسبة
الجمال عندنا في الأسرة له معنى يختلف عن كل المعاني عشت، ما عشت ولم أجد أجمل منه، فصدقيني هو الأفضل في كل المعاني..
الجمال في عائلتنا ليست عيونًا ملونة أو حتى سوداء فاتنة الجمال برسمها ودقتها، ولا قوام جميل، أو شعر منسدل، أو بياض أو سمرة،  كانت معايير الجمال في عائلتنا دائمًا الأخلاق.. فتاة جميلة في عائلتنا تعني فتاة مهذبة.
وبكل صدق كم كنت أغبط نفسي على الشعور بذلك، فأنا لم أكبر ولدي عقدة وسؤال برأسي يدور يوميًا.. هل أنا جميلة أم لا؟!! 
بل حينما كانت طفلة منا تعاير أحدًا أو تصف أحدًا ما.. كما يحدث في العادة، مباشرة كان يجاب عليها.. أنت لم تخلقي نفسك ولا هم فعلوا إنما الجمال يكمن في أخلاقك.. حيث يمكنك خلقها فكوني جميلة في شيء أنت تملكين تغييره لا في شيء  لا تملكين من أمرك فيه شيء، كنا لا نبالي بهذه الكلمات كثيرًا حينها، ظنًا منا أنهم يحاولون الهروب من أسئلتنا الكونية العميقة وإرضاء لذواتنا  البسيطة وعدم جرح لكرامتنا حين نسمع أننا لسنا بذاك الجمال،  لا أقصد أي معنى خاص مما قلت.. فقط خطر ببالي ذلك
..
أتعلمين..
 أنا أكتب هذه المقالة وأنت قد بلغت عامك الأول، أتممت عامًا كاملًا  أصبحت الآن تسيرين بشكل جيد.. أصبح لديك بعض الحروف الغير مفهومة حتمًا.. لكني أفكر بكتابة تلك المقالة منذ علمت بقدمك أي: ما يزيد عن 365 يومًا أو يزيد، وماذا أقول؟ سامح الله من كان السبب في انغلاق نفسي عن التعبير لك
دعيني أوضح لك.. هذه المقالة ستكون طويلة نوعًا ما فلتعذري بقدر عمرك الآن ما كتمته بداخلي لأخبرك به عبر تلك الأيام..
في حين أني أتمني فعليًا أن تتمكني من قراءة هذه المقالة حين تكبرين.. لعل صدق الرغبة بدخلي يوصلها لك من حيث لا أحتسب أو أعلم.
كنت نقطة تحول كبيرة في أسرتي، حين عرفنا بوجودك.. وبغض النظر عن كل الأحوال وجميعها -إنني أؤكد هنا لتعلمي حقًا ما أرغب به- وحتى حين تعديناها .. حين أصبحت تحضرين إلينا وأول مرة هدأت في يد إحدانا أو ابتسمت ولعبت، حين تعلمت بعض الحركات منا وصفقت أو أشرت بيدك الصغيرة ملوحة بالذهاب، وحين أكلت أو غنينا معًا أو مشيت.. كانت السعادة بك لا توصف ولا زالت.. أخذتني الآن تلك المعاني لمن اعتنى بي منذ كنت بعمرك وحتى الآن حيث أني شارفت على إنهاء ما يزيد عن ربع قرن في الدنيا
أمي.. جدتي..  خالي.. خالتي ..كيف كان شعورهم حينما عرفوا بقدومي
اتسأل كيف استقبلوا ذلك الخبر!!.. وكيف مضت الأيام ليروني أحبو،  أنطق وأمشي وصبروا على تربيتي وتحفيزي، لعل خالي على وجه الخصوص لا يذكر أني ارتديت الحجاب في طفولتي رغم المغريات الكثيرة إلا من أجل كلماته التحفيزية وعباراته اللطيفة وبشاشة وجهه ورؤيته سعيدًا بحجابي وبرغم بعد المسافة وانعدام اللقاء إلا على فترات متباعدة جدًا، إلا أن كلماته التي رددها علينا في كل وداع مؤقت والتي لم أفهمها إلا في العشرين من عمري، لكنها كانت زادًا لقلبي ووقودًا لروحي، أنه وإن عدم اللقاء فتواصلنا بالقلوب.. و كانت تلك الكلمات كفيلة بإشعال فتيل الرغبة فينا بإسعاده بما يأمرنا مهما كان صغيرًا
ومنذ ذلك الوقت وخالي كلما ارتدت إحدانا النقاب أو الحجاب لا تفارق البسمة شفتيه ويبالغ في بشاشته فرحًا بها وتهنئتها بل ويخبر الجميع بين لحظات وأخرى أن يعيدوا تهنئة تلك المحظوظة.. أتعلمين؟ مع فارق الشعور بلا شك كنت أشعر بالغيرة والغبطة لتلك الصغيرة التي كبرت، أشعر بأني أريد أن أرتديه من جديد ويا لتلك الأيام!!
 هل تعلمين لم أخبرك بذلك؟
 إنني أفكر كثيرًا أن كل ما سأقوله لكِ منذ الآن سيعتبر قانون عندك إن أحببتني، أو حتى لم تحبيني سيكون له وقع وتأثير شديد طوال حياتك كما كنت .. فأنا لم أنس اهتمام جدتي بتعليمنا اللغة العربية وحفظ القرآن ..ولم أنس اهتمام خالي بالحجاب والستر ولم أنسى خالتي التي كانت دومًا تحافظ على نفسيتنا بشكل مبهر، ولم أنس أمي التي كانت ترعانا بصبرها وطيبتها، لم أنسى خالتي الأخرى التي كانت تهدينا القصص، تلك القصص التي كانت سببًا لاهتمامي وحبي الشديد بسرايفو ..وخالتي التي كانت تحب العمل في محيط تملؤه  أناشيد عبقها المقاومة والشهادة .. ومن هنا أصبحت مولعة بهم وبأخبارهم وأتابعها، هل تدركين الآن عمق تأثير هذا؟
 كنت أكبرك بخمس سنوات حين بدأت أتأثر بهم .. الآن حتمًا كل خلية مني تشكرهم، بل والله تقدرهم وتحبهم، أعلم كم مرت علينا من أمور ربما جعلتهم بسوء أدب مني يعتقدون أنهم لم يتركوا ذلك الأثر، لكن التفكير بك وبالكتابة إليكِ يجعلني أدرك حجمهم عندي، ما أنا إلا هم حين صبروا علي، لو كان هناك شخص واحد أتمنى أرد فيه جميلهم وأقضي ذلك الدين فأظن بأني أريدهم أن يروه فيك أنت وعمتك صغيرتي الأولى قبلك.. لا تغاري سأفضلك أكثر من عمتك حتى لكن لا تخبريها بذلك، أريدهم أن يروه فيك بعيدًا عن أطفالهم الذين فشلت أن أكون موجهًا لهم، أدرك أنهم سيدركون السبب جيدًا وليتك أنت حين تقرئين هذه المقالة تكوني توصلت لذات السبب، إنني أكتب تلك الكلمات البسيطة اعترافًا مني بجميلهم الكبير، ورغبة بحفر تلك الحقيقة لكل من عرفني يومًا ولكِ بالأخص أريد أن تعرفي أني لم أدرك هذا إلا بعمر قريب، الاعتراف بفضلهم أمر مارسته كل يوم، وكل مرة نعتني أحد فيها بالغريبة، صاحبة المبادئ أو المغرورة التي لن تتنازل، في كل مرة ارتحت فيها من نفسية سيئة بسبب تعامل كنت اعترف لنفسي بجميلهم، لن تعرفي قيمة أمور كثيرة إلا بعد مدة .
رغم أن في داخلك ستعترفين كثيرًا بكل شخص يسعى لأن يجعلك فتاة مهذبة، لا تتجاهلي ذلك الصوت بداخلك الذي يخبرك أن الأخلاق هي الأفضل لمجرد أنك تعانين من الواقع، إياكِ أن تسيئ لنفسك بهذا يومًا..


أيتها الجميلة لنا لقاء جديد آخر .. قريبًا بإذن الله 

الاثنين، مايو 30




وقفنا نتأمل بصمت الشمس في مغيبها عن وجه الأرض .. 

صوت أمواج البحار مع ألحان الطيور تعد لوحة لا تتكرر 

تتمنى حينها لو أن عيونك كاميرا ديجتال لتوثق هذا المشهد منقطع النظير 

اقتربت مني قائلة: أثمة من ينازع شوقه وحنينه وألمه كما تغيب الشمس هكذا ببطئ ؟

لم يكن في خيالي مع هذا المنظر وهذا الشعور وتلك الأجواء والحزن القابع في قلبي 

على الأحوال التي بتنا فيها، إلا أحرف فلسفة لا غير أحاول بها تلطيف صور آلالام 

هذه الأمة التي لا تنتهي، فقلت لها: أتعلمين أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي إن 

وجد من يشاركه ألمه تحمل أشد أنواع الآلآم قسوة وذلًا وتيهًا وشدة وإن كان وحده 

لم يستطع أن ينتفس أحيانًا ..لا بد من شيء ما يشاركك ربما تحتفظين به في زوايا 

قلبك وربما تلمسينه بيدك 

لكن لا بد من مشارك، لا يمكن دونه .. 

ومشارك الإنسان فريد من نوعه، لا يمكن أن يحظى به هكذا بسهولة، لا بد من إئتلاف روح لروح 



حتى تلك الشمس التي تبصرين جمالها


أترين كيف تغيب ثم تشرق كل يوم.. بلا توقف .. ويكأنها بانتظار شخص وحيد 

شغله ضيقه، وأعياه حزنه، وأثقلته وحدته .. 

لتشاركه همًا، وتمنحه نورًا وتبث فيه درسًا من صمودها وثباتها وجمالها مؤثرًا

إنها حتى مع رحيلها بمنظر بهي الجمال

تخبره أن الأمور لا تدوم على حال .. 

إنه كون مفعم بالدروس يستشعره قلبك حين يسخره الله لك 

وحين يسخر لك فيه قلبًا واحد ينبض معك ويقتسم روحك

نقي جميل

السبت، يناير 31

غياب موجع




استيقظت من النوم وكلي أحرف لكِ لا تصاغ.. 
هائمة هي حروفي تبحث عن مخرج يجعلني أرتبها في جمل مفيدة.. 

علها توصِل نصف ما أُكنه في القلب وأحبسه ..
فكرتُ مليًا، وتنساب الكلمات في عقلي، إليكِ.. 

أتراها الدنيا تلك الدار التي تفرقنا .. تحمل في طياتها يومًا لقاء؟!

لن أقول .. كم أتعب قلبي تلك السنين الطويلة..

وكم اشتقت وكم تُقْتُ وكم حِرتُ وكم تُهتُ.. 

لن تتخيلي عدد المرات التي أكتبكِ فيها بعقلي كل صباح .. 
بعدد المرات التي تمنيت فيها صباحًا برفقتك، ولا يخفى عليكِ كم مرة فعلت.. 

حينما تغربتُ وشاء الله بيننا الفراق بتُّ أبحث عنك في وجوه الغرباء.. 

صار الناس في عيوني تجارب.. 
أحاول أن أوجد منك نسخة فيهم.. 
ومرت الأيام وأنا أتمنى أن أجد شخصًا واحدًا يشبه بعض أوصافك..
يبهرني ببعض كلماتك ،ولم أجد..

إن أصعب الأيام كانت حين أمضي في الناس غريبًا أشتم رائحة الأيام الماضية.. كالسراب فلا أجدها.. 
يتجسد العبق لي في الليالي المقمرة.. 
ولا يمكنني الوصول إليكِ.. 

لا أنت عدتِ ولا الناس كانت مرايا.. 


هجر وعتاب




ظلت لأيام تثور روحها في أضلعها بعدما سمعت خبر استشهاده..
لم أكن على يقين كيف يمكنني الوقوف معها..
الفاجعة عظيمة، مصابها مؤلم، لكنها كانت صابرة ثابتة..
تستيقظ أحيانًا فزعة، تنام على صوته رحمه الله يتلو القرآن، سورة تتبعها سورة
صوته كان يهز القلب هزًا..

هو الشهيد الحي كما أسميته..
طلبت منها التوقف عن الاستماع له.. كان صوته يثير فيها كل شيء،ولا تهدأ لها حياة.. 

- تناسي يا أخية الحياة لن تنتهي.. أتذكرين وصاياه؟
أرادكِ معلمةً في المدينة حيث استشهد.. أهكذا ستكونين قدوة لفتيات مدينة دُمرت عن بكرة أبيها؟!  وكل من ستعلمينهم إما فاقدلاثنين أو يزيد؟!
مصابك بسيط حينها أمامهم..

كنت أكرر عليها الكلام كلما واتتني الفرصة..
لست أقلل من ألمها..
أحيانًا يكون التناسي بمثابة  عزاء لنا، فكثيرًا ما يكون النسيان هو الحل الوحيد، ولو أخذ من الوقت أو الجهد ..!
ننسى حتى لا نرهق أنفسنا أكثر و لا نرهق من حولنا ..
و خاصة إن لم يتواجد حلًا بديلًا، فيكون التناسي حينها الحل الأمثل، و ليس الحل اليسير أو السريع ..

التناسي مطلوب طلب جازم إذا رُجىَ منه راحة القلب والبال..
و إذا كان التناسي هو الملجأ الآمن، بعيدًا عن أشياء تكدرنا و ليس بيدنا شيء نفعله إلا التناسي ..

.. 
كان عليها التناسي، تذكّر كل شيء يوم بعد يوم، لن يجعلها تتقدم في علمها، ولا سعيها لله..
ستظن أن الدنيا توقفت، لكنها لن تتوقف..

ومن سيهتم؟! بنظر من حولها كانت مجرد إرهابية تسعى لدفن حالها مع شخص منهج حياته الإرهاب..
كان هو كلَّ أملها في الحياة بعد الله..
لكنه لم يرحل كله، ترك لها ذكريات ووصايا، وصوته العذب بالقرآن يتلو، ومشاهد من عملياته، وبعض الصور التي اختلسها في انشغاله ليصورها لها.. ولها وحدها..

كان يجب أن تنسى وحسب ..
صحيح ليس كل التناسي مُلزم.. 
 التناسي مذموم أحيانًا عندما ينبع من التكاسل والتهاون عن أمر هام.. 
و السلبية و الابتعاد بدلًا من المواجهة ..
كانت ستتوجه لتلك النقطة لو أنها ظلّت تتناسى أمتها وتذكر آلامها فحسب..
لقد مرت بالكثير غير هذا..

لاشك أن كثير منا محمّل بأكوام وأطنان من الهموم..
تقل تدريجيًا أو تكثر..
لكننا ننساها وتأتي أمور بعدها و ننسى أشياء أخرى مكانها و تأتى أشياء أخرى ..
وهكذا تدور الحياة..
فما بالنا لو لم نكن ننسى! ونحاول أن نتناسى.. 
لظلَّ الإنسان يعبأ بالهموم الى أن يصل لنهايته ..
أو يعيش بلا حياة .. 

صدق من قال:  
"إن مِن النسيان ما يكون نعمة، ومِن النسيان ما يكون نقمة" 
وشتان بين الاثنين في الفعل والتطبيق .
لكن المؤمن لابد أن يشكر ويحمد الله في كل حالاته، مهما غلب على النفس البشرية من قوة وضعف ..

أعلم يقينًا أن "الحنين إن تمكَّن أوجعا"..
لكن مهما حالت تقديرات الله دون آمالنا، ثمة منفذ عليكِ البحث عنه..
لعله سيكون أملًا جديدًا.. 
وقد لا يكون..

يا أخية لا تبرير مقنع لأن تغلقي على نفسك مصارف الحياة، قابعة في قوقعة من الألم والذكريات.. 
ترشدك بجنونها للوحدة..

أين عبادتك؟! 
أين الأمة وأحزانها في قلبك؟
أتذكرين؟ قال لكِ يومًا وأبلغتيني: أنه يحب المرأة المتجلدة، لذا اختاركِ..
أتخيبن ظنه بعدما رحل؟
وليتنا كلنا رحلنا مثله لرب كريم..

أما أتذكرين أيضًا؟! قالها لكِ ليلة استشهاده [سأذكركِ عند الله]..
أما تخجلين أن يذكرك عند الله ويجدك على هذه الحال.. 
نظرت لي وقالت: لا حل آخر على ما يبدو، سأحاول أن أمضي في الحياة حتى نلتقي .


زوجة شهيد


زوجة شهيد



إننا ضعفاء، غرباء لا حيلة لنا في هذه الدنيا.. 
العبودية أعظم ما نملكه، ومحبة الله والسعي لعبادته هي أشد ما نسير عليه وتهون في هذا الدرب كل السبل..
بل وكل المشاعر.. 
تلك المشاعر المفعمة بالمحبة أو الشقاء والتعب، بالشوق أو البعد بالحنين أو الانتظار.. 
لن أنسى أولى المرات التي قرأت لها في مدونتها، تدوينتها التي كتبتها بعدما كانت في السجن مع زوجها .. 
خرجت وبقى هو، أعجبت بصفحتها كثيرًا وبادلتني المتابعة..
ومرت الأيام وغبت كثيرًا عن التدوين والمدونات..
 الشعور بعدم النفع وصعوبة شرح ما بك.. يسبب لك الكثير من البعد والتناقضات
تلت الليالي.. صباحات طويلة..
أقحمت نفسي في مجموعة نسائية لا أعلم ما سبب وجودي فيها حتى الآن.. 
كانت توأمتي عضوة مهمة فيها.. ومضى الحال بصمتي المعهود في هكذا أماكن.. 
كانت فتاة كريمة الخلق لطيفة الكلام، شديدة التمسك بالحق، ثابتة المبد، معتدلة الفكر..
استطاعت بجميل كل ذلك أن تحتل مكانة عظيمة عندي.. 
كان الحديث معها بعيدًا، فلم نلتقِ ولا مرة، رسائلنا العابقة بالأخوة والمحبة..
ونفوسنا المتشابهة، كانت تزيدنا قربًا يومًا بعد يوم..
تحدثنا طويلًا عنها وأحلامها وعن رسائل زوجها المعتقل وماذا قد حدث..
   كان يُؤلمني والله قلبي أيّما ألم وأنا أرى صديقتي زوجة المعتقل والمجاهد تخطّ أحرف 
اشتقت إليكَ زوجي”… ! وغيرها وغيرها..
  ليست أحرف صماء أبدًا.. بل تنبض لوحدها حروف لو وضعت على قلوب البعض لزادتها اشتعالًا..
وكم شعرت بقلبها الغض يعصره الألم، وهي تضمد جرحه، بالحكي تارة، والتذكر تارة، والصبر تارة، ولا شيء يوقف رغم ما تفعله نوبات الألم الموجعة مرة بعد أخرى..
     ابنها شيءٌ جميل هو كل ما تبقى لها من زوجها، اسمه له وقع في قلوب الكثير.. 
لم تكن أحاديثنا تكتمل مخافة المراقبة، ونتعاهد بالتواصل واللقاء لنكمل ما تبقى من أحاديث.. 
من يقرأ كتاب "رسائل لشهيد" ويعرف قصتها تلك المجاهدة المناضلة، ويقرأ لزوجات المعتقلين والمجاهدين والشهداء: يدرك عمق بل هي ذرة لا تكاد تذكر من جمال كل تلك المشاعر الراقية التي غابت عنا ولم نعهدها إلا في قصص تخطها أحرف من خيال..
   وحين تكون في عمق قصة ما لن تستوعب أي من تفاصيلها الكبيرة..
ولعل السنوات تمر بك ولا تستوعب إلا حين تنتهي كلها.. ويتبقى لك شيء من الذكرى ونغصة ألم على ما رحل..
    فتاة عشرينية، التقت بشق روحها وسكن فؤادها وخليل عمرها.. ربط الله بينهما بميثاق غليظ..
   قررا الرحيل للجهاد، انطلقوا لدولة تقاسم دولتهم الحدود من باب التمويه..
    في طرفة عين كان كل واحد منهم في سجن مظلم وحيد، غرباء في المكان والزمان..
لم يشأ الله لرحلتهم الجهادية بالاستمرار، نقلوهم لبلدهم سجناء..
فتشوها، وعذبوها، وطادروها، واحتجزوا قرة عينها..
لم تيأس.. وكذا هو..
   استمرّ ذلك لعدة سنوات ثم منَّ الله عليه فأخرجه من السجن في أعقاب ثورة عارمة..
ثم رزقوا بولد جميل..

    صمدوا طويلًا، وقدر الله له السبيل بالهرب من هؤلاء الكائنات التي لا يمكن أن نسميها بشر..
وخرج عن البلاد لبلاد يكمل فيها مسيرته الجهادية..
لم تحتمل البعد، ولم تطِق الفراق، ولم ترد أن يذهب وحده لله..
قابلتني قبل أن تذهب.. وفكرت كثيرًا لعلها لن تعود.. 
كان لقاء متسارع.. نسابق فيه الزمن نحكي عن مشاعرنا أو عن ما لم يكتمل من أحاديث سابقة، رسائلهم، لقائاتهم، معاناتها..
كانت وهي لازلت تتحدث عن ماضيها تعيش واقعًا خفيًا في قلبها لم يمكنها البوح به، ولا مشاركتنا به..
وكم يعظم ذلك .. 

روحها المرحة المتقبلة لكل الاحتمالات كانت تجعلني أمام نفسي أشعر بالمهانة.. 
رحلت إليه، وبعد بضعة أيام يقدر الله له الرحيل غريب مجاهد ونسأل الله أن يتقبله شهيدًا..
ومنذ ذلك الزمن وأنا أتخطى حدود الكلمات لأحاول أن أهنئها ولا أستطيع..
أيا زوجة الشهيد .. هنيئًا لكِ..
هنيئًا لكِ قلبك وثباتك، لست أمتلك حروفًا أبثها لكِ..
ولا أملك سوى الدعاء، تذكري يا حبيبتي دومًا أنّ أشقى أهل الأرض أشقاهم، حين يشمّ ريح الجنّة ويرفل لحظة في نعيمها ويخطف نظرة لأشجارها ..وقصورها سيصدح بها قلبه: “والله يا ربّ ما رأيت شقاء قطّ ” !! أرأيتِ!؟ صارت الدُنيا كل الدنيا وكأنّها عَدَمْ!
كل أوقات البكاء، وغصات الوجع، وضيق النفس، وأنات القلوب، وشهيق الليل،

ووحشة الطريق، وغصة الدموع، وحشرجات الشجن، كلها إلى زوال..

لا بأس يا قُرّة عينه وقلبه.. أنتِ [زوجة الشهيد بإذن الله]..
لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكُلّ شيء عنده بمقدار..
لم أستطع أن أقولها لكِ مباشرة..

 وكلما مرت الأيام، وكلما أرى ثابتك يوجعني قلبي أكثر.. 
 استودع الله قلبكِ يا حبيبتي.. 
بين طرفة عين وانتباهتها قد تكونين وشهيدكِ في قصركما تتنعمان سويًا بإذن الله فاثبتي حتى اللقاء..
أسأل الله  أن  يمن على ضعف قلبك بالقوة، وأن يربط على فؤادك كما ربط على فؤاد أم موسى عليه الصلاة والسلام..

كوني كما كنتِ معه قوية مجاهدة، اكملي المسير..
اجعليه يبتسم ويُباهي أهل السّماء بثباتكِ وصَبركِ..
آواكِ الله وشهيدكِ في فراديس جنّته 
وأقر عينكِ بولدكِ يا حبيبة..